إذا كنت ترى أن وظيفة الصحافة وظيفة أساسية ومحورية لا غنى عنها فى أى مجتمع لحقهم فى المعرفة ولكشف المستور والدفاع عن حقوق العباد وبكونها عين المواطنين على أداء السلطة...فان فيلم البوست سوف يشجيك ويمتعك ويحسرك على حالك الذى حرمت فيه من كل هذا لأن المسؤلين يرون أنك لا تستحق كل ماسبق، وعلى نفس المنوال لا تستحق الديموقراطية لأنك لست مؤهلا لها بعد، ويتجاهلون أن سبب منع هذا التأهيل المزعوم، هم انفسهم بفرضهم الجهل على بلد علمت الناس معنى الدولة وأهمية العلم والمعرفة.
الفيلم قدم توليفة قديمة فى شكل ليس بالجديد تماما، لكنه يضغط على حاجة المجتمعات لتعزيز قيمة الصحافة كمنبر حر بعيدا عن توجيه وتسلط الحكام، كونها نافذة مستقلة لتوصيل توجهات الراى العام ومراقبة على اداء الحكومة كخادم للشعب ومصالحه.
أجمل ما فى الفيلم هو نهايته حيث نجحت صاحبة الجريدة المستقلة فى إثبات حق الجريدة فى نشر ما تراه حق الجماهير فى معرفة ممارسات الحكومة فى زمن نيكسون فيما يخص حرب فيتنام وتصرفات الرؤساء السابقين فى إخفاء أسرار عن الشعب تحت شعار الحفاظ على الأمن القومى!
كانت معركة الجريدة طوال الفيلم محاولة إثبات هذا الحق، حق النشر بعيدا عن تسلط السلطة وتوجيهاتها.
كدت أضحك حسرة وقهرا عندما كلم مسؤول كبير رئيس التحرير يطالبه وقف النشر، لأنه يعد انتهاكا لسرية المعلومات الواردة فيه وأمن الدولة، رد عليه رئيس التحرير شاكرا التذكير، لكنه بكل بساطة يرفض، السخرية هنا أنه كل ما يشغله هو الاستعداد الجيد للمواجهة فى ساحة القضاء ولم يخطر على باله لحظة أنه يمكن أن يطبق عليه مثلا قانون طوارىء استثنائى يرميه وراء الشمس .. أو يأتيه زوار الفجر ليختفى قسريا أو أى من تلك الممارسات الشاذة التى تشتهر بها الدول السلطوية المستبدة.
هذا الاطمئنان كان مبعث قوة الجريدة، بالإضافة طبعا للملكية الخاصة لصاحبتها بعيدا عن هيمنة الحكومة، فكان الضمير والرغبة فى إطلاع الناس على حقيقة ممارسات حكام أمريكا الذين أخفوا عن عمد سياسات عسكرية أدت إلى مقتل عدد كبير من الشباب الامريكى فى حرب عارضها الجميع ومع ذلك استمرت لأسباب تتعلق برفض السياسيين الإقرار بالهزيمة لأنها تمس هيبة القوة العظمى الأمريكية.
فى الفيلم رسائل كثيرة كفيلة بإضافة البهجة على حياة من يفتقرون لتلك البهجة السياسية المخفية فى النظم القمعية، أولها أن المحكمة قد حكمت للجريدة بحقها فى نشر ما تراه صالحا مؤسسا لحق الشعب فى المعرفة، ثانيا أنها أوضحت بوضوح تام لا لبس فيه أن وظيفة الصحافة خدمة المواطنين وليس التخديم على السلطة وأجهزتها وتلك هى وظيفة الصحافة المفترضة فى الدول الحرة والمحترمة باحترام حق مواطنيها فى المعرفة، ثالثا أن الفيلم أوضح أن الحق لا يضيع ووراءه مطالب، وأن للحرية معارك لابد أن تخاض وأثمان لابد ان تدفع، وأن استقلال القضاء هو رمانة ميزان استقرار المجتمعات حتى لا تلجأ للعنف عندما يخذلها تطبيق القانون! وأن استقلال الصحافة بعيدا عن سيطرة الدولة هو الطريق الوحيد لتقدم تلك الدول.
فى حوارات الفيلم قال رئيس التحرير، وهو يقرأ المستندات المخفية تحت شعار سرى للغاية: إن السياسيين مستعدون للتضحية بأى شىء وأى إنسان حتى لا يعلنوا فشلهم، حتى موت الشباب فى حرب ظالمة وفاشلة، ويستمرون فى التضحية بأرواح الناس ومصالح العباد حتى يستمرون على كراسيهم وفى ذلك يتساوى الشرق والغرب و لكن الاختلاف الوحيد أن هناك آلية للمراقبة والمحاسبة وصحافة حرة تكشف وتفضح ويعمل لها ألف حساب!
ركز الفيلم على إنسانية صاحبة الجريدة وصراع ضميرها ما بين كشف المستور وفضح تصرفات أصدقاء لها كانوا من أقرب أقربائها وتربطها بهم علاقات انسانية ولكن فى مواجهة مع أحدهم وهو مكنمارا وزير الدفاع قالت له: ولكن كذبت وأخفيت الحقيقة واستمررت في سياسات فاشلة ولم يردعك استمرار نزيف حياة أولادنا!.
نعم .. الكذب فى المجتمعات المحترمة لا يغتفر ولا ننسى كلينتون فى فضيحته مع مونيكا لوينسكى كانت التهمة الأساسية له هى الكذب تحت القسم وليس العلاقة نفسها!
لم يستمر صراع الضمير كثيرا عند مالكة الجريدة الواشنطن بوست وسمحت بالنشر وفضلت مصلحة الراى العام عن علاقات الصداقة والمصلحة التى تصاحبها من أصحاب النفوذ ووضعت مستقبل الجريدة على المحك واحتمالية أن تخسر كل شيء وهى التى أدارت الجريدة بعد موت زوجها رغم أنها ملك لأبيها ولكنه منح الإدارة لزوجها، ولكنها النظرة الذكورية تجاه قدرات المرأة!!
ومن هنا كانت معركتها شديدة الخطورة لأنها كما قالت: لا أريد أن أكون أنا السبب فى ضياعها!
إن لم تكن الصحافة مهنتك، ربما لن تلتفت كثيرا لتفاصيل إصدار الجريدة خصوصا فى أمر استثنائى وخطير كالتى وجدت فيه البوست نفسها، ولكن أغمض عينيك وتخيل إحساس وشعور من يعملون فى مهنة المتاعب المتعبة والممتعة معا. القلق و الحماس والإثارة التى تصاحبه فى نشر موضوع خطير تحمل الصحفيون الكثير من أجل الوصول إليه، روح الفريق فى تحمل مسؤولية الطبع، رائحة الأحبار, انتظار صوت المكن وهو يدور، إحساسك بالمسؤولية المعرفية تجاه مجتمعك، درجات الترقب وقدوم الخطر ثم احتمالية ضياع كل شيء بما فيه وظيفتك ومصدر رزقك من أجل نشر الحقيقة، الضغوط النفسية التى تمارس على صاحب القرار بما فيه الابتزاز العاطفى بتحميلها وحدها احتمالية فقد العمال والصحفيين لوظائفهم بسبب الإذعان لمطالب السلطة، السهر والترقب ثم فرحة وزهزهة الانتصار فى معركة الحق وفى ظل مجتمع ينظر بجدية لمفهوم العدل وحاجة المجتمعات له حتى يستقيم ميزان الحياة والمبادىء المرتبطة بها !!
مهنة الصحافة مهنة ممتعة لمن يخلص لها ويفهم وظيفتها، أهميتها وضرورتها وخطورتها على الفاسدين، لكن ذلك يحدث فقط فى الدول الديموقراطية الحرة، فأين نحن من معركة The Post






